د. بو سعيد لوكالة الأنباء (مصر): حرية الدين بين النص والتطبيق – فجوة تتسع في العالم العربي والإسلامي

‎رأى الدكتور هيثم بو سعيد (الممثل الأعلى للشؤون الخارجية للمجلس الدولي لحقوق الإنسان المعتمد من الأمم المتحدة بصفة خاصة إيكوسوك في مقابلة مع مدير مكتب وكالة الأنباء الدولية لحقوق الإنسان في القاهرة محمد طعيمة، أنه

‎في عالمٍ يُفترض أنه يتجه نحو ترسيخ الحقوق الأساسية، تبقى حرية الفكر والوجدان والدين إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في عدد من الدول العربية والإسلامية. فبينما تنص المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوضوح على حق الإنسان في اعتناق أي دين أو تغييره وممارسة شعائره بحرية، تكشف الممارسات على الأرض عن واقع مختلف، تحكمه اعتبارات سياسية وتفسيرات دينية تقليدية.

‎المادة 18 لا تكتفي بضمان حرية الاعتقاد، بل تؤكد أيضاً على حرية تغييره دون خوف أو إكراه. هذا البعد تحديداً يمثل نقطة التوتر الأساسية، حيث تصطدم هذه الحرية في بعض الدول بقوانين أو أعراف تُجرّم الردة أو تقيّد التحول الديني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر قوانين “ازدراء الأديان” أو الحفاظ على “النظام العام”.

‎غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن النص القرآني ذاته، الذي يُستند إليه في كثير من هذه القيود، يقدم قراءة مغايرة تماماً. فمبدأ “لا إكراه في الدين” لا يُعد مجرد شعار ديني، بل قاعدة تأسيسية تؤكد حرية الإنسان في الاختيار. كما أن آيات أخرى مثل “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” تعزز فكرة المسؤولية الفردية دون فرض قسر ديني. هذه النصوص تضع أساساً واضحاً لحرية الاعتقاد، دون الإشارة إلى عقوبات دنيوية على تغيير الدين.

‎وتساءل د. بو سعيد إذاً، أين يكمن الخلل، والجواب لا يقتصر على النص، بل يمتد إلى التاريخ. فالكثير من القيود الحالية تعود إلى اجتهادات فقهية نشأت في سياقات سياسية مختلفة، حيث ارتبطت الردة بالخيانة السياسية في مراحل مبكرة من تشكل الدولة الإسلامية. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الاجتهادات إلى قواعد شبه ثابتة، رغم تغير السياقات الاجتماعية والسياسية بشكل جذري.

‎وأضاف د. بو سعيد أن اليوم، تُستخدم هذه التفسيرات أحياناً كأدوات لضبط المجال العام، مما يؤدي إلى تقييد الحريات الفردية باسم حماية الدين أو الهوية. وهنا يظهر التناقض بوضوح: دول تُصادق على الاتفاقيات الدولية، لكنها تُبقي على منظومات قانونية لا تنسجم مع التزاماتها.

‎هذا التناقض لا يخلق فقط إشكالية قانونية، بل ينعكس أيضاً على صورة هذه الدول في النظام الدولي، ويغذي خطاباً يرى في الدين عائقاً أمام حقوق الإنسان، رغم أن النصوص الدينية الأصلية قد تقدم أساساً للتوافق وليس للصدام.

‎إن تجاوز هذه الفجوة يتطلب شجاعة فكرية وسياسية. فالمطلوب ليس التخلي عن الهوية الدينية، بل إعادة قراءتها في ضوء مقاصدها الكبرى: الحرية، الكرامة، والعدالة. كما أن الفصل بين المجالين الديني والقانوني، أو على الأقل إعادة تنظيم العلاقة بينهما، أصبح ضرورة لضمان حقوق الأفراد دون المساس بالخصوصيات الثقافية.

‎وختم، في نهاية المطاف لا يمكن بناء مجتمع مستقر وحديث دون احترام حرية الإنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن. فهذه الحرية ليست فقط حقاً فردياً، بل هي حجر الأساس لأي نظام يسعى إلى تحقيق العدالة الحقيقية.

‎إن التحدي المطروح اليوم أمام الدول العربية والإسلامية ليس اختياراً بين الدين وحقوق الإنسان، بل القدرة على التوفيق بينهما، وهو أمر ممكن، بل وضروري، إذا ما أُعيدت قراءة النصوص بعيداً عن إرث الصراعات السياسية، وبما ينسجم مع روح العصر ومع كرامة الإنسان.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *